مورفين

الإعلانات

جلس جلسته المعتادة و تأمل الجدار ناصع البياض أمامه، حمل فرشاته برفق كمن يحمل رضيعا حديث الولادة.. أفاقت من نومها متأخرة، رفعت رأسها عن الوسادة بصعوبة، صداع مزعج.. بدأ يخط الخطوط الأولى على الجدار، اليد.. أحست بقشعريرة في يدها اليمنى.. بدأت تتشكل ملامح الجسد على بياض الجدار، الخصر.. قهقهت قليلا كأن هناك من يدغدغها.. بدأت جبينه تتصبب عرقا، أحس ببعض الدوار، لم يتعافى تماما من مرضه لكنه يكابر.. فكر قليلا.. إنها حمى الإبداع..لبست ما وجدته أمامها من الثياب و إتجهت نحو المطبخ.. خط طويل على الجدار رسمه بنعومة وخوف كأنه لص يحاول إختلاس شيء ما، إرتعشت يده، سقطت منه الفرشاة.. زلت قدمها و هي تخطو داخل المطبخ.. أمسك الفرشاة مسرعا وأصلح ما أفسد بسبب الوقوع.. لم تؤلمها قدمها. حملت كوب معشوقتها السوداء و جلست على الكرسي أبيض اللون، لم تحب غيره، البياض الناصع يذكرها بشيء ما، اللون الأبيض يحرك شيئا ما بداخلها.. أمام الجدار تأمل ما وصل إليه، إنه يتقدم من يوم لآخر و لكن.. وضعت الكوب الفارغ جانبا و إتجهت نحو مرآة غرفتها، نظرت إلى قسمات وجهها، إبتسمت برضا عما تراه، ليست فائقة الجمال و لكن هناك شيء ما.. هناك شيء ما ينقص الرسمة، فكر قليلا، بعض الألوان ربما.. إختارت لهذا اليوم الألوان السعيدة، لم تكن و لكن.. حمل فرشاة الألوان وفكر الزهري هنا.. لا لا هذا كثير، هذا أجمل، الآن دور العين، حملت القلم الأسود و خطت كفنان محترف.. توقف قليلا، يتنفس بسرعة غريبة، هل هي العلة من جديد؟ أم .. هذا بسبب قلبه الذي يخفق كمجنون.. نظرت مجددا في مرآة الحقيقة، هل ينقص شيء؟.. توقفت يده فجأة.. لم يستطع المتابعة.. أغمضت عينيها.. منعرج خطير في الرسمة، كلما وصل إلى هذه المرحلة أحس بالعجز.. كلما حان وقت اللمسة الأخيرة و السحرية أحست بالخيبة.. لم؟؟ .. لمن؟؟.. اليوم ليس كباقي الأيام.. المرض مهدد الأحلام يسرق منا الوقت.. هو بخير و لكن هل الغد له؟؟ .. اليوم ليس كباقي الأيام.. الخوف قاتل محترف يسرق منا الحياة.. تتنفس و لكن هل هي حية؟؟ .. صوت قرع طبول يصم الآذان.. بدأت الحمى تشتد، مسح بكلتا يديه حبيبات عرق أصرت على النزول.. حمل الفرشاة من جديد.. بدأ الخوف يشتد، قاومت بكل قواها عبرات تريد الخروج.. حملت ألوانها من جديد.. بدأت الألوان تضفي على الجدار حياة.. بدأت الحياة تدب في جسدها البالي.. مر الوقت كدهر.. تنفس عميقا.. أحست بالهواء منعشا يتسرب إلى رئتين مليئتين بغبار الزمن و الغرفة المظلمة.. شيء ما تغير في الرسمة، شيء ما تغير بداخله.. لقد وصل إلى غايته.. أحس بتعب، إنه تعب الإنتصار.. أحست بدوار، إنها نشوة الإنتصار.. إبتسامة.. هي كل ما أراد ليشعر بأنه إكتمل الآن.. إبتسامة.. هي كل ما إحتاجت إليه لتشعر بالقوة من جديد.. لحن غريب تناهى لمسامعه من بعيد.. حملت فستانها باليد اليمنى و بدأت ترقص برشاقة و سط الغرفة.. أغمض عينيه أمسكها من خصرها و بدآ رقصة الفالس.. نظرت أسفل قدمها، الأبيض الناصع من جديد، غيوم في كل مكان.. رنت ضحكاتها كأعذب الألحان.. أذابت الجليد المتراكم فوق قلبه.. إبتسامة علت شفتيها كأنها بلسم لسقمه..
فتحت الفتاة عينيها، لازالت الغرفة المظلمة على حالها، عانقت وسادتها و أطلقت العنان لأنهار الدموع و هي ترتعد كالريشة في مهب الريح.. إنه الخوف..
فتح عينيه، لازال المكان على حاله. البياض في كل مكان، صوت نبضات القلب مزعج،رائحة العقاقير مزعجة, عبثا حاول تحريك يده اليمنى. حول عينيه إلى أرجاء المكان، تصبب جبينه عرقا، أحس بألم شديد بداخله.. إنه المرض..

الإعلانات

هذا المحتوى يعبر فقط عن رأي صاحبه و بما أن أبواب نت فضاء حر فنحن لسنا بالضرورة على علم بالمضمون فالرجاء إبلاغنا عن أي تجاوز.

اترك تعليق

Please Login to comment
أبواب نت
إنشاء حساب جديد
تسجيل الدخول عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي

الإسم (مطلوب)
تغيير كلمة المرور