الإعلانات

في جمهورية البؤس: نحن لا نريد إلا حياة كالحياة

الإعلانات

سيادة المسئول بالأمس وأنت لا تزال نائما على فراشك وتحت غطائك الوفير… تستيقظ مئات النساء المفقرات منذ ساعات الفجر الأولى لتطبخ فطور الصباح والغداء لأطفالها النائمين، تنظف ببتها… ثم تغادر يا سيادة المسئول وشمس النهار لم تشرق بعد… تذهب إلى العمل في إحدى “السواني” أو “الهناشير” لتساهم في تحقيق الأمن الغذائي لهذا الشعب، وتساهم في دفع عجلة التنمية، أمام عزوف الشباب على الاشتغال في هذا القطاع.
سيادة المسئول هل تعرف كيف تنقل تلك المرأة إلى تلك “السانية”؟!!!
هل تعلم يا سيادة المسئول كم تتقاضى تلك المرأة اجر يومها؟!!!
وهل لديك فكرة عن أعملها في تلك “السانية” يا سيادة المسئول؟!!
وكم تدوم ساعات عملها؟!!!!
في الوقت الذي تستيقظ فيه أنت من فراشك في حدود الساعة الثامنة أو التاسعة أو ربما أكثر، تجد فطارك على الطاولة في القاعة المخصصة لذلك أو ربما يأتيك لسريرك… تكون تلك العاملة المفقرة البائسة قد قضت 3 ساعات على الأقل في عملها، وقد ملأت صناديق من “الطماطم” أو “البصل”، تتخللها جلسة تحت ظل شجرة زيتون تتناول خلالها إفطارها على عجل وتشرب كأس شاي.
مع حدود الساعة العاشرة سيدي المسئول، وأنت في سيارتك ” المارسادس” أو “رانج روفر” يقودها سائق لا تقل خبرته عن 10 سنوات، وتجلس أنت وحيدا في الثلاث مقاعد الخلفية. هل تعلم يا سيادة المسئول مع أي وقت قصدت تلك البائسة عملها؟!! وبأي وسيلة تم نقلها؟!!! وكيف كان وضعها؟
في حدود الساعة الخامسة فجرا وشمس النهار لم تشرق بعد، تكون تلك المفقرة في طريقها نحو العمل. في شاحنة نوع “Ususu”  يقودها شاب لم يتجاوز سنه في الأغلب 30 سنة، يتعامل مع وسيلة النقل كما يتعامل طفل صغير مع لعبته، تنقل يا سيادة المسئول في خلف الشاحنة كما تنقل الخضر التي تذهب لجنيها، تنقل كما ينقل ” الفلفل”، والطماطم، والبصل”. ثم إن السائق يسيل “البنزين” في عربة الشاحنة وتبقى المسكينة واقفة لترفع الشاحنة أكثر…
لا أدري لما أجيب عن كل تلك الأسئلة، فانا على يقين انك بت تعرف كل تلك الظروف ليس بالأمس حيث لقي أولئك النسوة حتفهن، بل منذ سنتين بعد الحادث المشابه الذي وقع في إحدى معتمديات القيروان…
إن السؤال الذي يطرح يا سيدي المسئول لماذا مازالت تقع نفس الحوادث؟!! بل لماذا تطور الحادث لسقوط ضحايا؟!!! عذرا يا سيادة المسئول بل لماذا تطورت الأمور لتذهب أكثر من 10 كادحات ضحية لاستهتاركم؟!!!
استهتاركم بأكثر القطاعات التي من المفروض أن تحظى بأولى اهتماماتكم.
في حدود 12:30 أو الساعة الواحدة ظهرا على أقصى تقدير تكون أنت يا سيادة المسئول في بيتك بعد أن أوصلك السائق في سيارة “المارسادس” أو “الرانج روفر”. تعود لتناول غدائك والمتكون من طبق رئيسي وأطباق فرعية… هل تدري يا سيادة المسئول أين تتناول تلك المسكينة غدائها؟!!! وفي أي وضع؟!!! ومما تتكون وجبتها؟!!!
أجد نفسي يا سيادة المسئول مجبرا على الإجابة عن أسئلتي هذه المرة ربما لأنك مازلت لا تعلم الأجوبة التي أعلمها.
إن تلك البائسة – بائسة لان أمثالك مسئولون في هذه البلاد- تتناول غدائها في ” السانية”، تحت ظل شجرة إن وجدت، تتخذ من الأرض مجلسا… ثم إن غدائها وجبة واحدة لا يتكون من أطباق. إنه في العادة “مشكشك” أو “سلاطة مشوية” تلك الأطباق يا سيادة المسئول التي تطهى على عجل بين الساعة الرابعة والخامسة فجرا…
تتناولها أيضا على عجل وربما ترفقها بكوب “شاي أخضر”… وتعود إلى عملها…
هل تدري يا سيادة المسئول متى تكمل المسكينة عملها؟!! وكيف تعود إلى بيتها؟!! وماذا تفعل بعد عودتها؟!!!
إن تلك المسكينة تكمل عملها في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، أو الرابعة، وقد تصل إلى الساعة الخامسة؟!! هل فكرت سيدي المسئول في عدد ساعات عملها؟!!
تنهي عملها في ذلك الوقت وتعود إلى بيتها في نفس الوضعية التي ذهبت بها أو ربما أسوء… فيمكن أن تقاسمها مكان وقوفها يا سيادة المسئول صناديق ” الفلفل، والطماطم، والبطاطا” البضاعة التي قطقتها…
هل ترى يا سيدي المسئول كيف تتحول تلك العاملة إلى بضاعة، بضاعة مثل تلك التي تساهم في زرعها ثم جنيها، أو ربما أقل…
وهل فكرت في مبلغ الأجر الذي تتلقاه؟!!!
عذرا يا سيادة المسئول فقد أتعبتك جراء كثرة أسئلتي…
تتقاضى تلك المسكينة 7 دنانير، 7 دنانير سيدي المسئول هل ظننت أنها سعر ساعة عمل؟!!! طبعا لا… ففي تونس على حد علمي ليست هناك مهن تمكنك من ذلك الأجر، ربما ساعة عملك أنت تتجاوز هذا المبلغ…
نعم تتقاضى تلك الشقية 7 دنانير، على عمل يوم كامل. ثم إنها لا تقبض أجرها قبل أن يجف عرقها… لا أنها تنتظر ذلك الفلاح الذي تشتغل معه حتى يبيع منتوجه… نعم يا سيادة المسئول فلا تكفي حقارة أجرها حتى تنتظره لأسابيع…

سيادة المسئول هل تفكر أنها بعد ذلك اليوم الشاق من العمل تعود إلى بيتها لأخذ قسط من الراحة؟؟

أبدا إنها تعود إلى البيت فتنزع عنها ثيابها المبتلة من العرق والمتسخة بالغبار، تستحم وربما تكتفي بغسل أطرافها. ثم تمر إلى المطبخ. نعم، بعد ذلك اليوم الشاق تمر إلى المطبخ يا سيادة المسئول لتطبخ ما يسد رمق فلذات أكبادها….

أخيرا هل حقا بلغنا من التطور والرقي ما يجعلنا نناقش المساواة الكاملة بين المرأة والرجل؟ وهل أن المساواة بينهما في الإرث مسألة ضرورية بل أولوية في وقتنا الحاضر؟

سيادة المسئول إننا بحاجة إلى المساواة أولا بين نساء المناطق الداخلية ونساء الساحل؟؟ إن نساء المناطق الداخلية يا سيادة المسئول يريدون حقهم في حياة، إنهم يحلمون بحياة كالحياة.
الإعلانات

هذا المحتوى يعبر فقط عن رأي صاحبه و بما أن أبواب نت فضاء حر فنحن لسنا بالضرورة على علم بالمضمون فالرجاء إبلاغنا عن أي تجاوز.

اترك تعليق

Please Login to comment
إنشاء حساب جديد
تسجيل الدخول عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي

الإسم (مطلوب)
تغيير كلمة المرور