الإعلانات

“فيلتر”

الإعلانات

اسمي الأزهر، ابلغ من الطول متر وسبعين سنتمترا تقريبا، قد أزيد عن ذلك أو انقص. وابلغ من الوزن سبعين كلغ، أو لعلي كنت ابلغ ذلك قبل سنة تقريبا، تاريخ أخر مرة قست فيها وزني، هكذا أتذكر….
أبلغ من العمر تسعة وعشرين سنة، أو ثلاثين سنة إلا بضع أيام، هكذا أدق وأفضل. متخرج منذ خمس سنوات ومازلت عاطلا عن العمل.
الساعة الآن العاشرة وخمسة وعشرون دقيقة، في اليوم الخامس من شهر ديسمبر، درجة حرارة قريبة من الصفر ورياح قوية… أجلس وحيدا في مقهى قدرت عدد زبائنه بعشرة، ونادل و”كونتواريست” يتذمران وينتظران وقوف الأربعة الذين يلعبون ال”رامي”، لتنظيف المقهى وإغلاقها والعودة إلى البيت…
أجلس منذ ربع ساعة تقريبا ولم أشرب شيئا، فالنادل لم يأتي رغم أني جالس في طاولة ظاهرة للعيان، نهضت وذهبت “للكونتوار” ببطء…
“اكسبراس” بربي –
رد “الكونتواريست” بتذمر ظاهر
الماكينة بردت –
كنت اعلم هذا، لكني أردت التأكد، ربما أكون محظوظا..
مش مشكل، أعطيني قهوة “فيلتر”.-
ناولني “الكونتواريست” قهوة وضعت السكر وعدت ببطء لطاولتي. لم أتذمر من تذمر “الكونتريست”، رغم أني متأكد انه نعتني بأقبح النعوت في سره، لعله قال “ولد …… جاي في الوقت هذا على اكسبراس احمد ربي مزلنا حالين لتو” ربما قال هذا، أو أشياء أخرى… لا يهم، فالمجنون وحده يخرج في اليوم الخامس من الشهر الأول من فصل الشتاء في وقت متأخر وفي درجة حرارة منخفضة إلى ذلك الحد. عذرت الكونتواريست والنادل أيضا، لعلهما خريجا جامعة مثلي. جلست أرتشف قهوتي.
أنا الأزهر وتفصلني بعض الأيام على الثلاثيني، خرجت في وقت متأخر من ليلة شتاء باردة، لأحتسي، “اكسبراس”، لكن الكونتواريست قال لي “الماكينة باردة” فطلبت قهوة “فيلتر”، خرجت في ذلك الوقت رغم درجة الحرارة المنخفضة والرياح القوية، بعد أن كثر ضجيج أبناء أختي، وبعد أن قال لي ابنها أنه يريد ان يصبح “”Pilote.
ابن أختي الذي بالكاد بلغ ثلاث سنوات يعرف معنى كلمة ” pilote” وينطقها بسلاسة، . أنا خاله أتذكر أني علمت أن كلمة طيار تعني Pilote عندما بلغ عمري ست سنوات أو ربما أكثر… ردني قوله إلى سنوات مرت حين كان يسألني أقاربي المتقدمون في العمر: “اش تحب تطلع كي تكبر” كنت أجيب سريعا “مهندس”، أنا متأكد أني لم أكن أعلم يومها أن مهندس تعني ” ingénieur”، وأن دراسة الهندسة ليست بتلك البساطة التي كنت أتصور، كما أني لم أكن أعلم أن المهندسين أنواع، وحقيقة أنا لا اعلم إلى اليوم أي أنواع الهندسة أفضل… ابن أختي الذي تفصله بعض السنتيمترات على بلوغ طول متر، والذي بالكاد يكوّن بعض الجمل، يريد أن يصبح “pilote”، هو دون شك لا يعلم أن كلمة “Pilote ” ليست بتلك البساطة التي يتصور، بل لعله غير قادر على التصور بعد…
أنا الأزهر، احتسي قهوة فيلتر في مقهى شعبي، تقع في مدينة في الوسط الغربي للبلاد، أعادني طموح ابن اختي إلى سنوات الطفولة، حينما كنت أريد أن أصبح مهندس. لم أعلم وقتها أي أنواع الهندسة أريد.
دخلت المدرسة كغيري من أبناء بلدي في سن السادسة، كنت تلميذا نجيبا. لا أتذكر أيام المدرسة كثيرا، فقد مرت ست سنوات على عجل. اجتزت مناظرة السادسة وتحصلت على معدل خمسة عشر… لم ادرس في النموذجي رغم أن معدلي يؤهلني لذلك. خير والدي أن أواصل دراستي في المدرسة الإعدادية الوحيدة في المدينة، بعد أن قالت والدتي “وليدي مزال صغير”.
في المدرسة الإعدادية أيضا كنت تلميذا نجيبا، بلغت من الطول حينها متر وأربعين سنتمتر، ولا أتذكر وزني، أتذكر أني ارتقيت إلى السنة الثامنة بمعدل 16. وأن مشاكلي بدأت تلك السنة. وقعت في غرام فتاة تدرس في السنة التاسعة، كانت بيضاء اللون، متناسقة الوزن والطول. لم أخبرها بحبي ولم أرسل لها كما فعل زملائي احد الزميلات… لعلي كنت اخشي أن تقول ” نحبك أما كي خويا”، كما وقع لصديق لي… أو ربما لم اخبرها لأشياء أخرى. حفظت جدول أوقاتها، وكنت أتعمد المرور من الطرق التي تمر منها، وأطيل النظر إليها. لعلها تفطنت لذلك. أتذكر أنها حيتني يوما بقولها صباح الورد، ارتبكت فخفضت رأسي ومررت مسرعا دون رد التحية، أكملت يومي أتندم حسرة على غبائي، وطردني أستاذ الرياضيات لشرودي… كان ذلك أول طرد في مسيرتي الدراسية… إلهي كم كنت أحمق.
انتهت تلك السنة وتراجعت نتائجي، فتحصلت على معدل ثلاثة عشر، في حين اجتازت هي المناظرة ونجحت بمعدل سبعة عشر، كانت تلك السنة أخر عهد لي بها، فقد بلغني أنها ستدرس في النموذجي.
تلك الحادثة كانت بداية تقهقر الدراسي، فقد اجتزت مناظرة التاسعة أساسي بمعدل إحدى عشر، رغم محاولتي أن التحق بحبيبتي في المعهد النموذجي للولاية. ليت أمي لم تقل لأبي عندما اجتزت مناظرة السادسة “وليدي مزال صغير”. وليتني لم أخشى قول الفتاة التي أحببت سرا ” نحبك أما كي خويا”… لم أكن محظوظا.
أنا الأزهر احتسي قهوة “فيلتر”، تفطنت، بعد ربع ساعة تقريبا، أني نسيت أن أضع فيها قطرات من الزهر. باغتني النادل بقوله: “خويا صبينا الماء”. قمت من مقعدي سريعا وغادرت المقهى، عبارة “صبينا الماء” هي عملية طرد بطريقة أخرى. لو مكثت أكثر لقال لي النادل “اخرج ……. عليا”، لعله قالها في سره، وربما قال كلمات أخرى…
جلست في المقهى وأنا في سن الرابعة تقريبا، وغادرتها وقد بلغت بي الذكريات سن السادسة عشر، بلغت من الطول حينها متر وستين سنتيمتر أو لعلي تجاوزتها قليلا، وكانت سنتها سنة التوجيه. لم أكن محظوظا، أردت أن ادرس الرياضيات إلا أن المجلس وجهني للآداب، فمعدلاتي في المواد العلمية لم تكن تسمح…
الساعة الحادية عشر والنصف ليلا، وأنا أتسكع في ليلة شتاء بارد، لا أريد العودة للبيت الآن… أنا الأزهر بلغت ذكرياتي سن السابعة والثامنة عشر، تحولت وقتها طموحاتي نحو دراسة الحقوق، بعد أن تحطمت تقريبا ٱمالي في دراسة الهندسة، في سنة الباكالوريا كنت أتمنى أن ارسب على أن انجح بمعدل لا يخول لي دراسة الحقوق، لم أكن محظوظا تلك السنة أيضا، فقد نجحت من الدورة الرئيسية بمعدل 11,30 ولم يخول لي معدلي دراسة الحقوق…
أنا الأزهر كنت اتمنى في صغري أن أصير مهندسا، ثم صرت أريد أن أصبح محاميا، غير أني وجدت نفسي ادرس التاريخ قسرا في كلية الٱداب… أنا الأزهر الذي اجتزت كل سنوات التعليم الأساسي دون رسوب رسبت سنتين في الكلية وتحصلت على شهادة الإجازة الوطنية في التاريخ بملاحظة متوسط، لم أكن محظوظا في الكلية أيضا ولم استطع دراسة الماجستير، أنا لم أفكر في ذلك أصل…
أنا الأزهر، أتمني من كل قلبي أن يصير ابن اختي الذي يريد أن يصبح “Pilote” طيارا، وأن يكون محظوظا عكس خاله، خاله الذي أراد في صباه أن يصير مهندسا فوجد نفسه في العشرينات أستاذ تاريخ عاطل عن العمل، اجتاز مناظرة “الكاباس” مرتين ورسب. قد يصبح ابن أختي طيارا، إن لم تقل أمه حين يجتاز امتحان السادسة “وليدي مزال صغير”، وإن وقع في الحب ولم يخش مصارحة حبيبته بذلك.
أنا الأزهر، تفصلني بعض الأيام على بلوغ ثلاثين سنة، أستاذ تاريخ عاطل عن العمل منذ خمس سنوات، كان يحلم أن يصبح مهندسا، أعود إلي المنزل في وقت متأخر وفي ليلة شتاء بارد… كل ما أطمح إليه ان أعرف ابن …….. الذي اقترح على أمي أن تسميني الأزهر.

الإعلانات

هذا المحتوى يعبر فقط عن رأي صاحبه و بما أن أبواب نت فضاء حر فنحن لسنا بالضرورة على علم بالمضمون فالرجاء إبلاغنا عن أي تجاوز.

اترك تعليق

الرجاء للتعليق
أبواب نت
إنشاء حساب جديد
تسجيل الدخول عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي

الإسم (مطلوب)
تغيير كلمة المرور