الدراما، والشباب، والطبقة الاجتماعية

تقييم (5)
الإعلانات

مقدمة:
ارتبط الإنتاج الدرامي في تونس بشهر رمضان، إذ دأبت مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية منذ تأسيسها على إنتاج مسلسل على الأقل يبث خلال ذلك الشهر. وشهدت الدراما التلفزيونية في أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة وبداية العقد الثاني، تطورا ملحوظا من حيث العدد، والمضمون، وخاصة الشكل. ولعل هذا التطور يرجع إلى انطلاق شركات الإنتاج الخاصة والقنوات في إنتاج وبث المسلسلات. ومعلوم أن الإعلام الخاص هو إعلام براغماتي ربحي، ينظر إلى البرنامج كسلعة، لذلك يركز على برامج التسلية، التي تستهدف في الدرجة الأولى شريحة الشباب، ولعل الدراما أبرزها. وكمثال على ذلك بثت عديد المسلسلات ركز فيها المنتجون على موضوع “الجندر: الجنس، والفضيحة، والرياضة” لاستمالة الشباب. نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر مسلسلات: “مكتوب، وكاستينغ، وحكايات تونسية، وأولاد مفيدة”. وهكذا تحول الإنتاج الدرامي إلى موضوع مقالات صحفية وتقارير إخبارية، نذكر على سبيل المثال، تقرير شبكة تونس الإخبارية، والذي حمل عنوان: دراما رمضان التونسية…انتقادات بالمس من القيم الأخلاقية.(1)
وأمام قلة البحوث العلمية حول الإنتاج الدرامي، أو انعدامها، فإننا سنحاول مقاربة هذا الموضوع مقاربة علمية مستعينين بنظرية الحقل لبيير بورديو ومنظومته المفاهيمية ولعل أبرزها: الهابيتوس، والعنف الرمزي، والرأسمال النوعي (رأسمال ثقافي، ورأسمال اقتصادي…)
فما هو المسلسل التلفزيوني؟ وكيف يمكن تصنيفه؟
إلى أي طبقة اجتماعية، وفئة عمرية يوجه؟
وكيف يؤثر الرأسمال بنوعيه الاقتصادي والثقافي في مواضيعه؟
سننطلق من فرضيتين أساسيتين للإجابة عن إشكالية هذا المقال.
الفرضية الأولى: إذا اعتبرنا أن المسلسل التلفزيوني برنامج ترفيهي فإنه يوجه إلى الطبقة المعدمة من المجتمع، وتحديدا إلى الشباب الذي لا تمكنه ظروفه المادية من التسلية باهظة الثمن.
الفرضية الثانية: لو فرضنا أن النخب الاجتماعية المهيمنة هي التي تسيطر على الإنتاج الدرامي، فإنها تسعى إلى المحافظة على هيمنتها عبر تحويل قيمها وثقافتها ونظرتها للمجتمع إلى قصص درامية يشاهدها شباب الطبقة المهيمن عليها، وبالتالي يعاد إنتاج قيم الطبقة المهيمنة وثقافتها.

1- الدراما الاجتماعية: الشكل الغالب على الدراما الرمضانية:
المسلسل التلفزيوني هو دراما تلفزيونية تتكون من حلقات يختلف عددها من مسلسل إلى أخر فهناك مسلسلات تتكون من خمسة عشر حلقة وهو العدد الذي يميز المسلسلات التلفزية التونسية. في حين تتكون المسلسلات التلفزية المصرية أو السورية من ثلاثين حلقة في العادة. ويتضاعف العدد بالنسبة للمسلسلات الغربية حيث يصل عدد الحلقات إلى المئات. “وتؤدي كل حلقة إلى الحلقة التالية في تسلسل ومنطقية ويعتبر التشويق أهم عناصر المسلسل بحيث يظل المشاهد مشدودا إلى الحلقة التالية… والمسلسل التلفزيوني هو شكل رمزي عميق يعكس الوعي الاجتماعي من خلال النماذج. ونظرا لطبيعة سير المسلسلات البطيء نسبيا، فإنها وفقا لفرضية التراكم تشكل الوعي قطرة قطرة… ومن هنا فالمسلسلات تعد قوة عظيمة ويمكن أن تكّون أو تعزز نظم القيم في المجتمع…” (2)
ينقسم المسلسل التلفزيوني إلى أربعة أصناف أساسية هي: الدراما الكوميدية، الدراما التاريخية، الفانتازيا التاريخية، والدراما الاجتماعية. ويعتبر الصنف الأخير الصنف الغالب على المسلسلات التلفزيونية ففي حين تعرض المسلسلات التاريخية خلال شهر رمضان عصرا فإن الدراما الاجتماعية تخصص لها أوقات الذروة.
تعتبر الدراما العربية بصفة عامة “دراما اجتماعية تتناول قضايا مثل حرية المرأة وأوضاع الشباب والعلاقة بين الأجيال مع ملامسة المشاكل الاقتصادية كالسكن والعمل والفقر” (3) . وفي تونس خاصة “بدا واضحا أن الاتجاه إلى الدراما الاجتماعية هو السائد. ومن أول المسلسلات التونسية يمكن أن نذكر “أم تراكي ناس ملاح” 1969 و”قضايا” 1972… وقد نجحت الدراما الاجتماعية التونسية في رصد إيقاع الأعمال اليومية ونقل الواقع كما هو دون تزييف.”(4)
عموما تحظى الدراما الرمضانية بنسب مشاهدة كبيرة، فما هي الطبقة الاجتماعية الأكثر مشاهدة لهذا الصنف من البرامج؟ وأي شريحة عمرية تستهدف؟

2- الدراما برنامج ترفيهي لشباب الطبقة الفقيرة:
إن التلفزيون وعبر ما يقدمه من برامج (الدرامية منها بالخصوص) هو وسيلة ترفيه بالنسبة إلى الطبقة الفقيرة (وبنسبة أقل إلى الطبقة المتوسطة) التي لا تمكنها ظروفها من التسلية باهظة الثمن والتكاليف… (5) ويشير “أديب خضور” إلى أنه ثمة حلقتين مركزيتين وأساسيتين في موجة الترفيه التلفزيوني الطاغية. تتمثل الحلقة الأولى بالمسلسلات التلفزيونية الموجهة أساسا إلى الكبار (ولكن، وكما تؤ كد الأبحاث في العالم كله أن نسبة مرتفعة من الأطفال يشاهدونها)، والحلقة الثانية هي البرامج الموجهة للأطفال. (6)
ويعتبر الشباب الفئة الأكثر تعرضا للدراما، ذلك أن واقع المجتمعات المعاصرة جعل الأغلبية الواسعة من الشباب محرومة من الخيرات المادية، ولا تستطيع أن تحقق تحسين أوضاعها المادية. في هذه الحالة يمكن أن يتم تعويض هذه الحاجة بتقمص شخصيات نجوم المسلسلات وأبطالها، أو بالمشاركة المزيفة في حياتهم الناجحة. (7)
إن شباب الطبقة الفقيرة “يمتلكون نظاما من الخطط الواعية وغير الواعية في التفكير والإدراك والاستعدادات” . (8) وهذا ما يحيلنا على أكثر المفاهيم تعقيدا في سوسيولوجيا بيير بورديو ألا وهو مفهوم الهابيتوس المرتبط بالاستعدادات الجماعية، مثل أنماط التفكير، والإدراك والتقدير والممارسة. لذلك فإنه يؤثر في الأفعال اليومية، مثل التذوّق والملابس، والأثاث والفن، وعادات الاستهلاك، وأنشطة وقت الفراغ، لأنه نتاج ظروفه الموضوعية ذاتها… (9) تلك الظروف التي تختلف باختلاف الطبقات وبالتالي يختلف هابيتوس شباب الطبقة الفقيرة (سكان الأحياء الشعبية) عن نسق استعدادات شباب الطبقة الثرية. ويصبح المسلسل التلفزيوني برنامجا ترفيهيا وممارسة ثقافية بالنسبة إلى الصنف الأول ينتظر موعد بثه أو يشاهده في وقت لاحق على شبكة “اليوتيوب” أو على مواقع التواصل الاجتماعي، إ ذ تخصص صفحات لإعادة تنزيل حلقة المسلسل حال انتهاء بثها. في حين يمارس الصنف الثاني نشاط أخر كارتياد قاعات السينما أو السباحة أو لعب التنس.
إذن تعتبر الدراما التلفزيونية برنامجا ترفيهيا لشباب الطبقة الفقيرة، ذلك الشباب الذي لا تمكنه ظروفه المادية من وسائل ترفيه باهظة الثمن، والذي ينتمي إلى مناطق جغرافية تقل فيها فضاءات الترفيه إن لم نقل تغيب… فلا يجد ممارسة يقضي بها وقت فراغه سوى ارتياد المقاهي، أو مشاهدة المسلسلات التي تخفف التوتر وتوجّه عواطفهم نحو تدعيم الأفكار المقبولة والمقررة، فالمقاومة خلال مشاهدتهم تكون ضئيلة. (10) فما هي الأفكار التي تروج لها الدراما التلفزيونية؟ لكن قبل ذلك لا بد من التساؤل حول الأطراف التي تنتج هذا النوع من البرامج، وهل للرأسمال دور في تحديد القضايا المطروحة فيها؟

3- دور رأس المال في تحديد مواضيع الدراما التلفزية:
لقد اشتغل الإعلام العربي تاريخيا كمجال تهيمن عليه الدّولة التي تستخدم وسائط الإعلام وفق منطق احتكاري ومن منطلق النموذج الوظيفي (الإعلام، والترفيه والتثقيف) القائم ضمنيا على أن الإعلام صورة عاكسة للمجتمع كما يجب أن يكون لا كما هو، تتحقق داخله بصفة مثلى الهويّة الوطنية وقيمها وأخلاق الجماعة. (11)
وقد سعت الدراما التلفزية التونسية خلال الأربع عقود الأولى إلى المساهمة في بناء المجتمع من خلال أعمالها المتنوعة التي كانت تهدف إلى تثقيف المتفرج وهي تسليه وتنمي سبل المعرفة لديه، لكن ما قدمته، ساعده في الأغلب على الهروب من واقعه وتعويضه بما ليس في إمكانه أن يكونه، أو يحصل عليه، في عملية تطهيرية تريح نفسه وهو يرى وقتيا صورته المشتهاة في صورة أبطال الأعمال الدرامية… (12)
وتعتبر الدراما التونسية بصفة عامة منذ بدايتها في أواخر ستينات القرن الماضي دراما اجتماعية تتناول قضايا مثل حرية المرأة وأوضاع الشباب والعلاقة بين الأجيال، مع ملامسة المشاكل الاقتصادية كالسكن والعمل والفقر، (13) ويمكن أن نذكر كمثال مسلسلات من قبيل “إخوة وزمان” الذي طرح قضايا الهجرة غير الشرعية للشباب والصراع بين الأجيال،ومسلسل “خطاب على الباب” أيضا طرح قضية خروج المرأة للعمل ومدى توفيقها بين الوظيفة وشؤون المنزل. لكن قليلة هي الأعمال التي تناولت قضايا جوهرية كالظروف السياسية التي تكبل طموح المواطن العربي وتحكم عليه بالإحباط والتي تجعل من الشباب مجرد عاطلين عن العمل بأفق محدود من الأمل والطموحات. (14)
إن هيمنة الدولة منذ تأسيس مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية على الإنتاج الدرامي التلفزي، جعل المسلسلات تطرح القضايا التي لا تتعارض مع مشروع السلطة الحاكمة من قبيل الهجرة غير الشرعية، وعمل المرأة، والمشاكل المتعلقة بالإرث… مواضيع تتميز بأنها تهم كل الناس ومنها ما يمكن أن نقول عنها إنها بمثابة أوتوبيس أو حافلة عامة يستقلها كل الناس. قضايا الحافلات العامة هذه هي كما يقال لا يجب أن تصدم أحدا، إنها بلا مجازفة، لا تسبب انقساما و تؤدي إلى التراضي والتفاهم وتهم كل الناس. (15)
بدأ التوجه الفضائي الذي أنحصر في بدايته في يد الحكومات التي أطلقت قنوات فضائية تابعة لها، مرورا بإتاحة المجال للقطاع الخاص، من مؤسسات وشركات ومنظمات، لإطلاق قنوات خاصة بها. وكانت انطلاقة الفضائيات سريعة بفعل تقدم الزمن وتنوع التوجهات في العالم العربي ومساعي أصحاب التوجهات المختلفة لإشباع حاجات جمهورهم. (16) حتى أن القنوات الفضائية الخاصة أصبحت أكثر عددا من القنوات الحكومية، وأصبح الشباب العربي تحت هيمنة المحطات التلفزيونية الخاصة، ويبدو أن الإعلام الحكومي أو الرسمي قد استقال من مهامه. (17) والإعلام الخاص هو إعلام براغماتي ربحي سمته الأساسية جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور، لذلك ركز المستثمرون في المجال الإعلامي على برامج التسلية وهي برامج تستهدف في الدرجة الأولى الشريحة الشبابية، مع الاهتمام بموضوع الجندر لاستمالة المشاهدين، ضمن ثلاثية ميردوك: الفضيحة، والرياضة، والجنس. (18) تلك المواضيع التي تعتبر حجر الأساس في مختلف الإنتاجات الدرامية للفضائيات الخاصة.
إن الرياضة، والجنس، والفضيحة مترابطة بشكل كبير خاصة في مسلسل تلفزيوني. حيث يسعى المخرجون والمنتجون إلى انتقاء ممثلين وخاصة ممثلات بخصائص جسدية معينة، أو بعبارة أخرى يقع التركيز على الجسد الرياضي أكثر من أي شيء أخر. فيقع حشد نسبة كبيرة من الفتيات الجميلات الصغيرات، بحيث تحولت الدراما إلى مسلسلات للأنوثة يسيطر فيها شكل ودرجة أنوثة المرأة على كل شيء. (19)
منذ انطلاق إنتاج المسلسلات من قبل شركات خاصة مثل شركة “كاكتوس” التي أنتجت مسلسل مكتوب والذي بث أول الأمر في قناة تونس 7 سنة 2009، أو من قبل قنوات خاصة مثل “حنبعل tv” التي أنتجت “مسلسل نجوم الليل” في نفس السنة، بدا واضحا أن الاهتمام بجسد الممثلة ودرجة أنوثتها هو الغالب على كل المقاييس الأخرى، فظهرت ممثلات بخصائص جسدية معينة أصبحت موضوع حديث الشباب ومثلهم في تحديد الجمال، ويمكن أن نذكر على سبيل الذكر لا الحصر ممثلات مثل “سميرة مقرون” التي لعبت دور “سيرين” في مسلسل مكتوب، و”مريم بن مامي” التي لعبت دور “شاهيناز” في نفس المسلسل، و “أساور بن محمد” أو شخصية “بشرى” في مسلسل أولاد مفيدة… كل هذه الوجوه كانت جديدة على ساحة التمثيل والشهرة ولم يسبق للجمهور أن رآها في أحد المسلسلات أو حتى التمثيليات.
تلك الشخصيات المغرية ارتبطت أدوارها بالجنس، ف “أساور بن أحمد” أرسلت عمدا ل “ياسين بن قمرة” الذي لعب دور “بدر ولد مفيدة” لإغوائه، وهو الذي ارتبط بعلاقة جنسية مع شقيقة “خطيبته”، و”مريم بن مامي” كانت على علاقة غير شرعية مع “ظافر العابدين” أو “دالي”، علاقة انتهت بحملها منه وإنجابها فتاة، هكذا تتدرج الأحداث في مسلسلات الإنتاج الخاص من الجسد الرياضي المغري، إلى العلاقات الجنسية، وصولا إلى انكشاف الأمر أو الإنجاب خارج إطار الزواج وبالتالي الفضيحة. وهنا تتجسد ثلاثية ميردوك أحسن تجسيد.
ثم إن موضوع الفضيحة المرتبطة بالجنس، ليس موضوعا عرضيا، في مسلسلات العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، والذي تحولت فيه الدراما إلى صناعة، حيث مثلت الفضيحة الموضوع الأساسي لبعض المسلسلات، فمسلسل “أولاد مفيدة” طرح المشاكل الاجتماعية المتصلة بالشرف من خلال عائلة تتكون من أرملة وثلاث أبناء منهم ابن غير شرعي، وطيلة الأجزاء الثلاثة للمسلسل حاولت الأم التستر عن تلك الفضيحة وبقي الجمهور يترقب ويفكر ويتساءل من هو ابن “الشريف”؟ . في حين تعرض مسلسل “مكتوب” إلى المشاكل الاجتماعية للطبقة الثرية والمتعلقة أساسا بالعلاقة بين الرجل والمرأة والتي يمثل فيه الجنس حجر الأساس. (20)
إن تلك المواضيع هي مواضيع هامة تشد انتباه أغلبية الناس، إلا أنها مواضيع غير ذات أهمية. إنها هامة بالقدر الذي تمكن فيه ذلك المسلسل من الحصول على أكبر نسب مشاهدة، وبالتالي التمتع بأكبر حصة من الإعلانات، وأكثر نسبة من الأرباح. هامة باعتبارها أدوات للعنف الرمزي تمارسه الطبقة المسيطرة أو المالكة للقنوات المنتجة لتلك المسلسلات. إنها مواضيع هامة بالقدر الذي تساهم في إخفاء مواضيع أهم، مواضيع يستحقها الشباب أكثر من غيرها. وبالتركيز على تلك القضايا “يتم إحلال الوقت النادر بزمن فارغ. بلا شيء أو تقريبا لاشيء، بتجنب المعلومات الملائمة التي يجب أن يمتلكها الشاب كي يمارس حقوقه الديموقراطية”. (21) خصوصا وأنّ تلك المسلسلات تبث في أوقات الذروة.
إن من يسيطر على إنتاج الدراما التلفزيونية، هو النخب الاجتماعية المهيمنة، تلك النخب هي بالضرورة تمتلك رأسمال ثقافي يختلف عن الرأسمال الثقافي لشباب الطبقة المعدمة، الشباب الذي توجه إليه تلك البرامج. ويرتبط رأس المال الثقافي بالهيمنة عن طريق استخدامه في تثبيت الأوضاع القائمة بالنسبة للمهيمنين، وليكن الحقل الإعلامي مثلا، ففي هذا الحقل تمارس الطبقة المهيمنة عمليات تحويل قيمها وثقافتها ونظرتها للمجتمع إلى قصص درامية يشاهدها الشباب المهيمن عليه، ليعاد إنتاج قيم وثقافة الطبقة المهيمنة. (22) أو على الأقل تقديم الوضع القائم (status quo) باعتباره السبيل الوحيد المنطقي لهيكلة المجتمع (23)
إذن يلعب الرأسمال الاقتصادي دورا هاما في تحديد مواضيع الدراما التلفزيونية، فإن كان المسلسل من إنتاج القطاع العمومي تكون المواضيع غير متعارضة مع السياسة العامة للسلطة الحاكمة، وموجهة لجميع فئات المجتمع باعتبار أن التلفزة العمومية تمول من المال العام. أما إن كان المسلسل من إنتاج الفضائيات الخاصة، فإنه يركز على مواضيع الإثارة من “الرياضة، والجنس، والفضيحة” كما أسلفنا، وهي مواضيع تجذب انتباه الشباب، الفئة العمرية الأكبر في المجتمع. ورغم أنها مواضيع هامة بالنسبة للمنتجين، فإنها تساهم في تغييب قضايا تهم المتفرج وخاصة الشاب أكثر من غيرها.

خاتمة:
يعتبر المسلسل التلفزيوني برنامجا ترفيهيا لشباب الطبقة الفقيرة، الشباب الذي ينتمي جغرافيا إلى مناطق تقل فيها إن لم نقل تغيب وسائل الترفيه، ففي الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية لا وجود لقاعات سينما، ونوادي مسرح، وملاعب تنس، ومسابح وحتى مؤسسات التنشيط فيها شبه عاطلة عن العمل ومنقطعة عن فضائها العام. ثم إن ظروفهم المادية لا تسمح لهم بالتسلية باهضة الثمن… على عكس شباب الطبقة الثرية الذي يختلف نسق استعداداته من ذوق، وفن، وممارسات أوقات الفراغ.
ثم إن النخب الاجتماعية المهيمنة هي المسيطرة على إنتاج الدراما التلفزيونية وهي تسعى من خلالها إلى تحويل ثقافتها ومبادئها ونظرتها للمجتمع إلى مواضيع درامية تلفت انتباه الشباب وتملأ وقته النادر بمحتوى فارغ، وتحجب من خلال عرضها للمواضيع المثيرة من رياضة وجنس وفضيحة، مواضيع هامة يستحقها الشباب أكثر من غيرها لمارسة حقوقه كمواطن. مثل مواضيع التنمية، والتقسيم العادل للثروات…

الهوامش:
(1) التقرير متوفر على شبكة الانترنات، في الصفحة الرسمية للشبكة، https://www.facebook.com/tunisia.tnn/videos/887222331364887/?v=887222331364887، تاريخ زيارة الموقع، 08 فيفري 2019.
(2) محمد عمارة محمد، دراما الجريمة التلفزيونية دراسة سوسيو إعلامية، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، 2008، ص 58
(3) عبد الكافي محمد واخرون، الدرام التلفزيونية العربية في مطلع الألفية الثالثة، منشورات اتحاد إذاعات الدول العربية،تونس ، 2004، ص 45.
(4) نفس المرجع، ص 46.
(5) بن رمضان يوسف، التلفزيون وانعكاساته الثقافية في تونسن مجلة: البحوث، المركز العربي لبحوث المستمعين والمشاهدين- العدد 1 شباط 1979- درا الحرية للطباعة بغداد، ، ص 61.
(6) أديب خضور سوسيولوجيا الترفيه في التلفزيون: الدراما التلفزيونية، المكتبة الإعلامية، دمشق، 1997، ص 20.
(7) نفس المرجع، ص 17.
(8) عبد العظيم حسني ابراهيم، الجسد والطبقة ورأس المال الثقافي، مجلة إضافات العدد 15، سنة 2011 ص 61.
(9) نفس المرجع ، ص 62.
(10) خضور أديب، مرجع سابق، ص 13.
(11) الأميرة سماح فرج عبد الفتاح واخرون، الاعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ص 113.
(12) بن الحاج سلامة فرج، مرجع سابق، ص 66.
(13) عبد الكافي محمد وآخرون، الدراما التلفزيونية العربية في مطلع الألفية الثالثة، مرجع سابق، ص 45.
(14) نفس المرجع، ص 46.
(15) بيير بورديو، التلفزيون واليات التلاعب لاعقول،ترجمة درويش الحلوجي، دار كنعان للدراسات والنشر والخدمات الاعلامية، ط 1، 2004 ص 47.
(16) عدوي عبد الله محمود، الجماليات في الإعلام التلفزيوني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، الدوحة، قطر، ط1، 2016، ص 46.
(17) الأميرة سماح فرج واخرون، الإعلام وتشكيل الرأي العام… مرجع سابق، ص 87.
(18) نفس المرجع، ص 178.
(19) نفس المرجع، ص 86.
(20) التواتي نصرالدين، صورة الشباب في الدراما الرمضانية: مسلسلات مكتوب، ونجوم الليل، وأولاد مفيدة أمثلة تطبيقية، رسالة ماجستير غير منشورة، المعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي ببئر الباي، 2017، ص 54.
(21) بيير بورديو، التلفزيون واليات التلاعب بالعقول، مرجع سابق، ص 47.
(22) محمد سنية، هشام معيري، محاولة في فهم سوسيولوجيا الهيمنة (قراءة في فكر بيير بورديو)، مجلة الاداب والعلوم الاجتماعية،ع 17، سنة 2017، ص 8.
(23) الأميرة سماح فرج واخرون، الإعلام وتشكيل الرأي العام… مرجع سابق، ص 25.

الإعلانات

هذا المحتوى يعبر فقط عن رأي صاحبه و بما أن أبواب نت فضاء حر فنحن لسنا بالضرورة على علم بالمضمون فالرجاء إبلاغنا عن أي تجاوز.

1
اترك تعليق

Please Login to comment
1 Comment authors
Recent comment authors
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
عضو
تقييم :
     

👍

أبواب نت
إنشاء حساب جديد
تسجيل الدخول عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي

الإسم (مطلوب)
تغيير كلمة المرور